السيد محمد تقي المدرسي

65

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

معها في ابعاد أخرى ، واهم ما تشترك معها تأكيدهما معاً ، على استقلال الموضوعات الخارجية ( مما يشكل جوهر وجود المسبقات العقلية عند الانسان ) والنسبية العلمية ( وان الانسان لم يؤت من العلم الا قليلًا ) . ولكن ابرز ما تصطدم معها ايماننا بأن العقل يقوم باكتشاف الحقائق الخارجية بنور الهي روحاني ، وانه من دونه لا تكون العلاقة بين الذات والموضوع الا كالعلاقة بين حصاة وأخرى وفي أفضل الحالات بين الكاميرا والصورة ، وهذه العلاقة لا تحدث كشفاً وشهوداً وإحاطة علمية . اننا نجد عندما نتأمل ذاتنا اننا « نعرف » الحقائق . وهذه المعرفة تعطينا قدراً كبيراً من الهيمنة والاشراف والإحاطة ، وحتى القدرة ؛ على ذلك الشيء . وهذه علاقة بيننا وبين الشيء ولكن أيّة علاقة ليست مجرد علاقة متساوية ، بل علاقة متميزة من جهتنا حاكمة ، بينما الشيء محكوم ومكشوف ، ان لم تكن للآخر ذات الميزة كمعرفتنا ببعضنا حيث إن العلاقة في الطرفين متساوية من هذه الجهة . وهذه النظرة التي تبنتها المدرسة الواقعية في المعرفة ، انعكست على نظرتها في القيم فاعتبروها مجرد علاقة ، وكان من بينهم ( جون ديوي ، و ، لي ( dewey lee ) وغيرهما حيث زعموا ان الأساس الميتافيزقي للقيم قد تحول من اعتبارها ذات قيمة ذاتية إلى اعتبارها علاقة تقوم بين الانسان والموضوعات ، وهذه العلاقات تتضمن نوعاً من الرأي في شيء أو شخص أو معنى ، كما انها تتضمن ايضاً شعوراً واتجاهاً نحوه وتفضيلًا له ، ويضيفون : ان هذه العلاقة جزء من التنظيم الذي يسيطر على سلوكنا ويعكس حاجاتنا واهتماماتنا واهدافنا بالإضافة إلى أنه يعكس بصورة مختلفة وبدرجات متباينة النظام الاجتماعي الذي نعيش فيه والتراث الثقافي الذي ننشأ في ظله . والى هنا تبدو فكرة المدرسة الواقعية في القيم معقولة ، إذ الفيم تنظيم من المواقف تجاه الظروف المتغيرة ولكن المدرسة الواقعية ترى ان مصدر القيم ليس سوى هذه العلاقات فتقول : القيم في حقيقتها عبارة عن عمليات انتقاء يقوم بها الانسان في ميادين الحياة التي تضم اتجاهاته الأساسية وميوله العميقة الجذور والأشياء التي تحضى منه بالاحترام والتقديس « 1 » .

--> ( 1 ) - ارتقاء القيم ص 49 . .